السيد محمد حسين فضل الله

34

من وحي القرآن

قسمنا السير فيها بحيث كانت مراحل السير متوازنة ، فيصبح المسافر في واحدة منها ، ويمسي في أخرى في أجواء ملائمة ، سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ لأن الأوضاع التي كانت تسود خط السير في كل القرى المتتابعة كانت طبيعية آمنة ، بعيدة عن أجواء النزاع والخلاف ، مما يجعل السائر فيها يشعر بالأمن والطمأنينة والاستقرار النفسي . وهكذا كان وضع قوم سبأ في حلّهم وترحالهم ، في أمان واطمئنان ، فلا يخشى أحد منهم على نفسه ، ولا على ماله ، ولا يحتاج في سفره إلى أيّ جهد . ولكنهم كفروا بنعمة اللَّه ، ولم يشكروا له ، فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا فقد مللنا من هذا الرخاء الذي لا يثير فينا جهدا ، ولا يكلفنا تعبا ، ولا يخلق لنا مشكلة ، - قالوها - من موقع كفرهم بالنعمة ، وابتعادهم عن اللَّه ، فلم يطلبوها بألسنتهم ، ولكن أعمالهم فرضت ذلك ، فكأنّ أعمالهم تنادي بذلك . وربما كان الأمر جاريا على سبيل الحقيقة ، فإن الناس قد يملّون من الرخاء فيطلبون الشدّة ، ولهذا طلبوا أن تكون طريقهم إلى الشام ، طريق فلاة وصحراء ، يعانون فيها جهد السير وظمأ القلب وجوع الجسد ، وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالابتعاد بها عن الطريق المستقيم الذي يوفر عليهم كل النتائج السلبية في الحياة فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ تتناقلها الأجيال ، للعبرة أو للتسلية ، وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ أي فرقناهم في كل البلاد ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أي دلالات لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ليعرف كيف ينقذ الصبر والشكر صاحبه من الهلاك .